Yahoo!

القص الشعري وغواية الحكي النثري(1)

كتبها abdelati ezzyani ، في 28 مارس 2006 الساعة: 19:59 م

                                                                                          

           زاكورة

      توطئة

مجموعة (توذة)هي باكورة المبدع المازن أحمد شكر والذي ظل يطلع   على القراء من منابر ثقافية عديدة منذ أوائل التسعينيات صوتا قصصيــــا مكثفا بالشعر و سلطة المكان، و قد صدرت له هذه المجموعة القصصية عن دار القرويين في طبعة أنيقة عام 2002.  وثمة دلائل كثيرة أن أحمد شكر ما يزال يخبئ في جرابه قضا و قضيضا، و يعدنا لاحقا بجديد سيبهجنا حتما في كثافة دقيقة شارفت الشعر وآمنت بفتوحاته. و لذلك يبدو أن مجموعة " توذة " قد آلت على نفسها اختيار منحى فني عميق تكاد تتفرد به من بين المجموعات القصصية المغربية.  وهو ذاك الدفق الشعري الخالص الذي دمغ أجزاء وافرة من بنيانها الفني.

 تـجنيس المجموعة القصصية: توذة "

        يبدو سؤال تجنيس مجموعة " توذة " ملحا لغاية تتبع وضبط مستويات تلقيها والاهتداء إلى التأويلات الممكنة لقصصها المتعددة المداخل والمتنوعة المسارب الحكائية. إجراء كهذا مشروط بالوضعية الاعتبارية الأدبية لنصوص أثبت على غلافها "قصص قصيرة " ومن ثم فهذا التعاقد يتحكم في صيغة القراءة التي لا بد أن تكون محملة بأنساق تفكير وتأويل يحتل البعد السردي قطبها. لن نغوص في نقاش مستفيض بصدد الأجناس الأدبية ورسوخها و صفاتها (3) وخصائصها وتراكمها ونماذجها وصيغها، ولكن ينبغي إيضاح فكرة أراها جديرة بالتوضيح: إن مفهوم القص عموما يفترض وضعا إبداعيا وحدودا فنية و فضاء دلاليا وزمنيا ومكانيا وحكيا مختلف الرصد، والضوابط وشخوصا متبانية الاتجاه والرأي والفعل، وصيغة لغوية ذات سمات ومزايا خاصة تنسجم صفاتها مع طابع القص بشكل عام.

          هذا الاعتبار إذا ما وضعناه وجها لوجه أمام قصص مجموعة " توذة " سيلمس القارئ ثمة شبه اتفاق من حيث المبدأ. غير أن الغوص في أعماق النصوص الحكائية يترك انطباعا لا مجال لإخفائه، و يتمثل في التمرد الظاهر عن إصرار عن تلك المواضعات المفترضة سلفا لجنس القصة، واجتراح أفق آخر أكسبها صفات أخرى إبداعية متجاوزة شكلا معلوما نحو آخر استجد مع موجة قصاصي الثمانينات والتسعينات (4) يتعلق الأمر ببلاغة قصصية جديدة تلح على إغراق الحكاية بالشعر أو تشتيتها في فجوات السرد و استثمار تقنيات تجريبية جديدة.             

        و إذن يصح هاهنا أن نقرأها من المدخل الشعري وهو ضلع أساس في صياغة الفضاءات و الشخصيات والرؤى السردية، أو من المدخل السردي وهو أساس البناء الفني. و لذلك فهذا المد الشعري حول مجمل نصوص المجموعة إلى قصائد نثرية أقرب إلى الشعر منه إلى القصة.

        هذا ما يحمل على الانطباع أن أحمد شكر قد أتى إلى القصة محملا بحنين الومضات الشعرية وبريق الرؤى الحالمة، التي يضمرها ألق الشعر السحري وعصيان اللغة المارقة من مخالب الإيقاع.

         وإذن فسؤال تجنيس المجموعة القصصيةهاته، يهيمن فيه هذا البعد المزدوج و يطغى بكثافة محرجة أحيانا لنراه كيف تنشأ لديه المواقف والرؤى وتلك اللحظات الفاصلة بين آن وآن.

         يقول " هيكل هذا الزمن و الحزن. و طوح به الانتظار بعيدا في جحور الصمت تغالب ألم مفاصلها وانحناءة الوأد التي قصمت ظهراها لتميز المعالم السالكة إلى المقبرة أو الخلاء الذي اكتظ عن أخره " (5).

  يقول في قصة " مزار الألم "كالمسرنم هبطت أدراج السلم مالئة بحضورها الباذخ كل فراغات الصمت تتعقب طيفي عندما احتواهما الكهف معا. لم يصدق كل هذا الصفاء الذي اعتمر مقلتيها بتمتمة أشار إلى الجنبات المتشظية والفائحة بنور الشموع التي غرست طردا كائنات الخوف "(6)

الموقفان معا حول لحظتين مقتضبتين من زمن دقيق:

1- الشيخوخة و تثاقل خطى الروح، إذ الصمت الرتيب ونداءات القبر.

2- تماس وجداني بين فتى و فتاة مفتونين بنداءات حالمة بعشق يسع قلبين.

      يتضح إذن ذاك الإغراق السردي بالشعر حتى يجد القارئ نفسه أمام نصوص شعرية نثرية، غير أن هذا البناء الشعري ما ينبغي أن يصرف أنظارنا عن أن المجموعة سارت في صيغتها اللغوية على سمت واحد، بل لقد استعان القاص أحمد شكر باللغة الدارجة قصة (مال السماء) " اسمع أو ليدي كاع اللي كتمشي و كتخرج و تدرج ما عندك فيها ربح، شوف الله يرضي عليك أنا بلية الكسيبة سرات في دمي لا فراق لي عليها، غير تديني ولا نديها و لاكن خايف على أولادي " (7).

         إن إفساح المجال لهذه الكائنات الهامشية كي تعبر عن رأيها بلغتها اليومية إخراج لها عن سياج القص الرصين المتواضع على انتسابه إلى العائلة السردية القصصية الرصينة التي ارتبط الانتماء إليها بالصفة اللغوية الفصيحة. غير أن التوجه الحكائي الذي انتحاه أحمد شكر إدراج للقصة في فضاءات هامشية لا يلقي إليها العديد من الناس بالا، و هو مسعى آخر لحشرها في تفاصيل هموم صغيرة التي هي أصلا منشأ الهموم الكبرى. إن النصين منصبان على " الجفاف بأرقامه و خسائره و آثاره الوخيمة على البشر و الأرض و الحيوانات و الطير".

        عناوين القصص:

تضم المجموعة القصصية ثمانية عشر نصا قصصيا. وقصة توذة التي اختارها أن تكون عنوانا المجموعة هي القصة الثالثة.

لعل المتأمل في هذه العناوين التي انتقاها ببهاء لقصصه وهي: " نعيق الغراب، حنين الأماسي، توذة حنيني الغياب، أمهات الموت، مال السماء، خوذة الضياع، أقول، رتق الحنين مهاوي الصمت، هبة الماء مضمر الصباح، مزار الألم، صحابة، كؤوس، هناي، ارتجاج، توحد " تترك الانطباعات التالية:

1- عناوين مركبة من مضاف ومضاف إليه، تكثيفا للمعنى وحصره في بؤر معينة محددة.

2- الكثافة النفسية والمشاعر و الذاتية التي تعرب عنها في القصص: التوحد، الارتجاج، حنين، الألم، الضياع.

3- الحزن الطاغي و المطوق لجلها باستثناء: هبة الماء، مضمر الصباح، مال السماء، صحابة.

4- السمة الشعرية الدالة و الموحية مثل: نعيق الخلاء، مزار الألم، خوذة، الضياع، حنين الغياب.

5- الصفة الرمزية للمعاني التي تولدها و طابعها الاستعاري.

   الموضوع / الثيمات

أحمد شكر رعي قصصه على نار لينة، ولم يحتفل بغير الومضات، وتلك اللفتات العصية على القبض أحيانا. حيث لم يكن معنيا كما يخيل لي بالخوض في أسئلة كبرى ينبغي من خلالها دغدغة القارئ الضمني، ذات الأسئلة العالمة أو السياسية أو المعرفية أو الفلسفية، إنه قاص يمتلك كمشة حكايات أليمة للحظات قد لا نفهم لم يجتاحنا حينها التردد و الوجل في إخفائها عن ذواتها:

        ألأنها انهيارات كتيمة قد لا تفهم لم تحصل ؟ و كيف نتخلص من ورطاتها؟ يقول :" كل مساحات الفراغ الساكبة هوسها فيك تحتضر الآن. بعد ما انتعشت بملايين النظرات المصوبة إلى تقاسيمك خوفا ورهبة و إعجابا…" (8)

      أو حين يقول: " مشدوها وما زلت إلى هذا المشهد الآسر حتى تشابكا في عناق إيروتيكي فاتن. تصاعدت درجات التهابه لأحد بلل شهقتهما التو حدية قد نفذ إلى عظامي." (9).

         وغيرها مما نجده في تلك الباقات من إصرار فريد على القبض على مفاصل زمنية هاربة. كما الأمر ذاته في صراع زوجين للحظات عصيبة جاشت خلالها العواطف بحوار كتيم في قصة " مهاوي الصمت «.

         فضلا عن هذه أيضا كانت مواضيعه بالبساطة ذاتها التي لها في الحياة والحنين ليس فقط لغة البشر الذين حازوا قدرا عاليا من العلم بل هو لغة الطيور التي لم تشأ أن تنسى المكان بما هو أطلال نخرتها الريح أو أشجار باسقة في العراء أو أبار ناضبة حتى.

 إنه الطائر المفتون بسحر القفر يتكلم كل لغات النفوس (الحنين الألفة، الوفاء، الحب…)

إن في النسر أو العقاب شيئا من الإنسان، كما أن تلك الصداقة المعتادة التي تجمع بين ذاتين شاء لهما أحمد شكر في قصة " حنين الغياب " أن تربط بينت أبا علي الفلاح القروي و محركه الذي يضح به المياه من البئر. فألفة عشرات السنين بينهما خلقت في باعلي الرعاية ومن المحرك الامتثال…و حين مات باعلي، و دفن، جرب الناس المحرك لكنه أضرب على الاشتغال، لأن روحه رحلت إلى السماوات لتلاقي روح باعلي. أليست الألفة أحيانا تمد الجسور حتى بين الأعداء، و لذلك ألا يستحق هذا المحرك أن يرتاح من لغط فلاحين لم يعتد على أن يشغلوه كما باعلي.

 لم ينس أحمد شكر أن يفي لجذوره بقسط من البوح و البكاء: فتوذة هذا الاسم الأمازيغي المجلل بالكبرياء و غور الجذور والعز المترع بالفروسية هاهو اليوم أضحى نهبا للقتل الرمزي و للتدجين و للتعهير…

اسم توذة عنوان تاريخ ممتد له و عناصر الكون ذكرى لقاء في زمن سحيق يقول: " اسم نحت من مسالك هذه الجبال الفاتنة ليصير معبرا إلى مملكة الجنون الكوني لتغزو الأعماق " (10).

       فإن كان قرنها بهذا الميلاد الأسطوري ذي السمات البطولية، فهاهم أشباه الرجال اليوم في زمن الخصاء، عادوا فحولا يبحثون عن فروسيات دونكيشوتية ضائعة، تستعيد الشرف المستباح في كل العتمات، على طول كل المراكز الحضرية الوطيئة عند قدم الأطلس العالي، من أقصاه إلى أقصاه. و إذن فتوذة ممر العابرين، ولأطلس الشامخ أصبح الأطلس الباكي….

       في المجموعة صدى عميق مرير للموت و للمقابر، فهو عنوان قصة " أمهات الموت "’ وهو الكأس الأخيرة من الكؤوس التي لا مندوحة لابن أنثى وإن طالت عافيته من تجرعها. ولذلك فإن كان لدى الصغار قرين الرعب والفزع، فلدى الكبار واجب ومحطة لا منجاة من الوقوف فيها. فالموتى ومنهم( أباعلي. وأمه التي أهداها قصة " أمهات الموت " و العسكري المتقاعد، الطالب الذي عذب حتى لفظ أنفاسه….).

           غير أني أرى الموت يكشر عن أنيابه السوداء: في الطالب الذي مات في ظروف غامضة في ضيافة قوات الأمن يعتبر عنوان جيل كامل واجه الموت الجبان في الملاحقات كما لاقاه بشرف بين الكرابيج و السياط و أقبية التعذيب، إنها المأساة التي كظمها جيل مغربي صرخ لحظة ضيم وغبن و قال كفى من النزيف المجاني للبلاد والعباد. فكانت عص

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قراءات نقدية للأستاذ الباحث عبد العاطي الزياني

كتبها abdelati ezzyani ، في 28 مارس 2006 الساعة: 19:42 م

   أسئلة نقد النقد وأبعاد التنظير النقدي في النقد العربي المعاصر

   قراءة وعرض: لكتاب " نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر*"

                       للدكتور: محمد الدغمومي**

 

              د . عبد العاطي الزياني

                                                        أستاذ - باحث

                                    زاكورة - المغرب

صدر منذ مدة كتاب "نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر" لمؤلفه الدكتور محمد الدغمومي ضمن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سلسلة أطروحات ورسائل في عام 1999.ويقع الكتاب في نحو 360 صفحة من الحجم الكبير، والكتاب في أصله أطروحة لنيل دكتوراه دولة. وقد فرضت طبيعة أسئلته النقدية وظواهره المنهجية، وقضاياه النظرية تقسيمه إلى ثلاثة أبواب رئيسية مسبوقة بتمهيد يؤصل لمفاهيم البحث ومصطلحا ته، فانصب القسم الأول على:

  رصد متن نقد النقد والتنظير النقدي ومرجعياتهما.

  في حين خص القسم الثاني بمقاربة المفاهيم المرجعية التي تحكم الأطروحة.

أما القسم الثالث فعاد إلى ملامسة حضور مفاهيم النقد في متن نقد النقد وتنظير النقد العربي لينهي الباحث عمله الباذخ بخاتمة مركزة مكثفة تحصر استخلاصات الأسئلة والقضايا التي كانت موضوع أطروحته، والتي ألح نسبتها وطموحها الأكيد للإنخراط في النقاش والجدل وملامستها حدود الالتباس داخل حقل نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر. وقد انطلق الباحث من اعتبار النقد نظاماً ذا وعي معرفي منهجي نظري وفلسفي وهو أمر يجعله بعيدا عن الاكتفاء بمرجعية واحدة أو مطلقة نظرا لارتباطه المستمر بالعلوم الإنسانية والفلسفات المعاصرة، وبأشكال غير حصرية من ألوان المعرفة: "فهو عاجز عن أن يرضخ لمذهب، فهو منفتح أمام الجميع هواة ومتخصصين، جماليين وإيديولوجيين وشهود ومتواضعين، ليس له تاريخه الخاص"(1). ولذلك ظل دوما ملتقى جدال وحوار لحقول مرجعية ترتبط به وبموضوعية، إذ النقد رهن التأرجح بين وضعين: وضع ثقافي ذي أبعاد فكرية وقيمية، ووضع علمي يسعى نحو حيازة صرامة العلوم وإجرائياتها. هذا الموقع المعرفي ذو الهوية المنهجية هو ما استدعى ضرورة قيام مبحث نقدي للتفكير في قضايا النقد وتأمل إشكالاته، وهو نقد النقد الذي نظر إليه بوصفه رؤية ابستمولوجية لوضع النقد ومفاهيمه وعلاقاته وأسئلته وإجراءاته. غير أن مفهوم نقد النقد يظل في جوهره مشروعا يصعب تحديده يظل في جوهره مشروعا يصعب تحديده بدقة، وتعريف وظيفته ومقاصده  خصوصا وهذا الوضع الاعتباري-عمل على عمل منجز- يجعله في موقع تماس رفيع مع خطاب تنظير النقد الذي راكم متنا معرفيا يعكس ذلك الوعي المتنامي بإشكالات النقد وتحدياته وأبعاده والطموح نحواشتراع آفاق جديدة في رؤية ذاك النقد لموضوعه انطلاقا من تموضع جديد أو شق بدايات أخرى في النظر إلى مقاربة الأدب. ولاغرو أن القارئ سيكتشف لاحقا أن هذه الأطروحة عمل محكوم بأسئلة جريئة ومستفزة لحساسيات نقدية واسعة لأنها زعزعت بديهيات في النظر والتصنيف والتحقيب والإلحاق والسبق النقدية ظلت ولعقود تصوغ المشهد النقدي وترتب أولوياته وتصرف أسئلته.

    هذه الهوية الاختلافية نحتتها الأطروحة في طرح إشكال العلاقة والوضع الاعتباري لمفاهيم من مثل: النقد الأدبي، ونقد النقد، وتنظير النقد، وشبكة العلاقات مع حقول مرجعية نقدية أو علمية مجاورة جعلها مغامرة شجاعة جديرة بالتقدير لجملة عوامل منها:

-         دقة العلاقة بين مباحث الأطروحة والجسور الخفية بينها، والنمو النسقي.

-         اقتفاء تحولات الرؤى والمناهج والصيغ المعرفية للنقد ونقد النقد وتنظير النقد المتسارعة وارتباطها بنظريات معرفية وعلمية وفلسفية ومنهجية متنوعة المشارب ومتقاطبة الخلفيات.

-                    الغنى المفهومي وغزارته، إذ أن الأطروحة اشتغال في المفاهيم وللمفاهيم وعلى المفاهيم وهو ما يجعلها موجهة لنخبة النخبة.

     هذه العوامل ألزمت الباحث باستمرار باحتراف اليقظة في أنحائها وعدم الركون إلى الوصف أو التلفيق أو الحياد، فقد ظل في جل مناطقها متمسكا بالمشرط شاهرا الأسئلة على المتون النقدية وأسئلتها فاحصا أطروحتها وهويتها النقدية مرتبطا بفرضيات عمل ذات عتبات تأويل إجرائية تسلم بالاختلاف في إطار "اقتراحها نموذجا للتفكير في النقد صالحا لما نسميه نقد النقد ونموذجا مناسباً لما نعتبره تنظيرا للنقد" (2)

ولاقتحام هذا البحر اللجي من المفاهيم والمباحث والمرجعيات والعلاقات الرفيعة والجسور المضمرة اقتضى الأمر أن تأتي الأطروحة في خلال ثمانية أقسام وأربعة عشر فصلا وما يقرب من أربعين مبحثا..

وقد كان لزاما بحث المفاهيم الكبرى التي تنتظم الأطروحة وتؤطرها –انسجاما مع الطابع النسقي للكتاب- بوصفها موضوع البحث وهي النقد ونقد النقد وتنظير النقد وإيضاح أبعاد الهوية والموضوع والصفة المنهجية والمفهومية..

ومن خلال فصلين حاول القسم الأول أن يلاحق حدود التقاطع والتداخل بين خطابي كل من نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر. وهي التداخلات التي استدعتها طبيعة الخطابات الفرعية المرتبطة لكل منهما، حيث إن طموح التنظير كامن في فروع المباحث المنضوية في متن نقد النقد وفي الوقت نفسه لا يمكن أن نسحب من التنظير النقدي وعيه بالوضع الإشكالي للنقد، وانكبابه على المفاهيم النقدية ومرجعياتها وقواعد النقد ومعاييره.

في حين انصب الفصل الثاني على تبين مرجعياتهما الفلسفية والجمالية واللغوية والسوسيولوجية والنفسية، ذلك أن علاقة الفلسفة بالنقد أمر مقرر. "ولعل أول تنظير للشعر تم من خلال إطار الفلسفة، وأول مرجع تحكم في النقد كان هو المرجع الفلسفي الأفلاطوني ثم الأرسطي، وأول نظرية للأدب كانت نظرية بمفاهيم فلسفية – لغوية" (3).

"إن الناقد يجد نفسه مضطرا لكي يتعامل مع رصيد من المفاهيم المشحونة فلسفيا مثا مفهوم الموت والمحاكاة والصدق والخيال والتفسير والتأويل والحقيقة والحلم والواقع والجمال والفن، ناهيك عن المفاهيم الفلسفية النسقية التي تنبع من اختيارات فلسفية محددة مثل العبث، والحداثة والالتزام والأيدولوجيا"(4).

كما أن ظهور علم الجمال أو ظهور ما يسمى بالاستيطيقا تمكن من أن يمنح النقد الأدبي "مدخلا جديدا ومفصلا لموضوعه، ومده بعدد من المصطلحات والمفاهيم، فصار من الممكن النظر إلى النقد نفسه ضمن علم الجمال وتسميته بالنقد الجمالي والنقد الفني"(5) ولذلك يبدو ظاهرا وجليا أن جانبا من المعرفة التي يعيد إنتاجها نقد النقد والتنظير يرجع إلى فلسفة الجمال حيث يهيمن على عدد من الصيغ التعريفية للنقد خصوصا عندما يقرن النقد بالفن أو ينتسب إليه أو يجاوره" (6).

وغني عن البيان أن نقد النـــــــــقد له صلة بعلم النفس ما دام الأدب ليس لغة فقط فهو دلالات تحمل معاني تجربة معيشة، هذه المعاني النفسية هي موضوع نقد لدى متبعي مدرسة فرويد ومفاهيمها. 

وأمسى علم النفس مرجعا للنقد ولنقد النقد لاحقاً، وتم تفسير العمل النقدي من خلال الأحلام وطاقة الليبدو والدوافع والترددات.              

 والأمر ذاته يصدق على صلة هذا المبحث بعلم الاجتماع باعتبار ارتباط الأدب بالتعبير عن الواقع ووقائعه وأشيائه من جهة، وبوصف النقد ونقده بحثا في جوهر تلك الصلة وتلك العلاقة بالواقع وعناصره ومواقف الإنسان داخل ذاك العمل الأدبي وفي ذلك إلحاح على الصيغة الوظيـفية له مادام معبرا عن وعي اجتماعي يسنده موقف إيديولوجي، ولذلك ظل طبيعيا أن نجد التصورات ذاتها لدى اشتغال نقد النقد عند قطاع عريض لردح من الزمن لدى أقطاب المنهج الواقعي من مثل أمين العالم، وعبد العظيم أمين، وغالي شكري، وصلاح فضل، وحسين مروة، والسيد يس محمد برادة، وحنا عبود.

وتظل اللغة أو البعد اللغوي في النقد ونقد النقد وتنظير النقد من أبرز الإشكالات لأن اللغة هي المفتاح الذي بدونه يستحيل تأسيس أية بداية أو انطلاقة دون إعادة صياغة هويتها والعلاقة معها وصورة حضورها سواء في صيغتها الواصفة أو الإبداعية غير أن القسم الثاني أريد له أن يستجلي جملة من المفاهيم التي يظل نقد النقد وتنظير النقد مؤ طرا دائرا في فلكها لأنها هي ما يبرر وجوده المعرفي فانصب الفعل الأول على مقاربة نقد النقد في حين يسعى الفصل الثاني للوقوف على مفهوم النظرية، أما الفصل الثالث فكان أن انصرف إلى مفهوم المنهج وأسئلته.     

         إن عمق تصور الباحث لموضوعه دعاه الرجوع إلى تمثل صور انبثاق مفهوم نقد النقد في السياق النقدي العربي الحديث: ذلك أنه رغم طابع الالتباس الذي ما فتئ يسمه باستمرار لاجتماع كلمتين ملتبستين في الأصل: فقد أبرز أن هذه البدايات المفترضة لهذا الفرع النقدي يمكن التحديد لها مع كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين وإن كان لم يشر إلى المصطلح بعينه فعمله في صلب اشتغال وهموم نقد النقد لتتضح صورته في أجلى مظاهرها لدى العقاد الذي يرى أن النقد ما ينبغي أن يصير- مزاجا يعكس نوايا النفاق والمحاباة والمجاملة. لذا اقترح تحصين النقد بما سماه نقد النقد (7)–أشار إلى ذلك في مقدمة "بعد الأعاصير".

غير أنه رغم ظهور ثلة غير قليلة من النقاد ممن أشاروا من بعيد إلى بعض من مظاهر هذا الاشتغال فحدود الوعي به ما تزال ملتبسة بما لهم عن مفهوم النقد لأن  وعي مفهوم نقد النقد لا يستقيم دون رصد استراتيجياته ووسائله الملائمة وغاياته وموضوعه فيبتعد بذلك عن التماهي  بممارسة النقد وتاريخ النقد والتعريف بتيارات النقد، ولذلك يحق تسميتها بالبدايات أو الإرهاصات غير أن مرحلة التأسيس لمفهوم نقد النقد العربي تزامنت مع شيوع التفكير الواعي لدى النقاد في كيان معرفي منهجي ونظري بعينه  لمفهوم اسمه نقد النقد والنزوع نحو تأسيس منهج ذي وظيفة محددة تمتلك الوعي بنفسها وإجراءات عملها وصلتها بما حولها من الفروع المعرفية المباشرة وغير المباشرة ويمكن التأريخ لذلك المخاض بأواخر الستينيات حتى بحر السبعينيات فتنامى دور نقد النقد واكتسى حضوره صفة الضرورة بغض النظر عن طبيعة تقييمه هل هو منهج علم أو يبقى حصيلة معرفية فقط.

لأن هذا السجال في حقيقة الأمر لن تكون له كبير فائدة على ترجمة الإدراك السائد لدى النقاد عن نقد النقد في أمر تأسيس قواعد ومبادئ وغايات وموضوعات نقد النقد والتي تخلق له مسافته المنهجية من غيره.  خصوصا وهو –نقد النقد- نشاط معرفي له صلات بأنظمة أخرى يستدعيها المشترك الذي يمتح منه كل نظام والجسور المشتركة الظاهرة الخفية فيما بينها هكذا يقع هذا المفهوم بوصفه فعلا منهجيا بين ملتقى الأنظمة التالية:

النظام الأدبي الثقافي، والاجتماعي، والسياسي والاقتصادي.

رصد هذه البداية الفعلية وتنامي أهمية نقد النقد يستدعي الوقوف عن وسائط تشكل معنى التنظير النقدي والإرهاصات النظرية لقطاع من النقاد العرب اتجه جهدهم النقدي هذه الوجهة بالنظر للتداخل والتماس بين المبحثين ولكن لابد في أمر النظرية من وجود نسقية تحدد مرجعيتها وانتظامها مع غيرها. هكذا انخرط قطاع من النقاد في النقد القديم والحديث فكان سعيهم الأول والأخير هو اكتشاف نظرية لهذا النقد أو في مبحث من مباحثه سواء ب:

1)   إعادة الاعتبار لنظرية قديمة وتقويتها.

2)   إعادة بناء عناصر قديمة في إطار نظرية قابلة للاستمرار"(8).

غير أن فحص الصفة العلمية والنسقية لمفهوم النظرية من خلال الوعي المعاصر الذي أنتجت في سياقه يجعل معظم الاجتهادات العربية في هذا المجال تندرج في صلبها فيما يمكن أن نصطلح باسم ما قبل النظرية وما دامت المفاهيم تحتكم باستمرار إلى مرجع وزمن معينين هما ما يبرر مشروعها وتمثلاتها في إطار حركة بحثها الحثيث عن انتظام ما. فمفهوم النظرية كما يعرفه أغلب الابستمولوجيين جسم من المفاهيم ينطلق من فرضيات لإيجاد قوانين أو قواعد لتفسير ظاهرة أو لإيجاد حل لمشكلة نوعية في حقل العلم والفكر والفلسفة… ص 40 (9)، بعيدا عن اكتساب هذا الحضور بهذه الصفة في المباحث النقدية العربية القديمة منها والحديثة إلى حدود بداية الثمانينيات. ويظل ذاك الجهد في حصيلته المنهجية تنظيرا نقديا سعى لاكتشاف ضوابط ممكنة للنقد وللأدب ومن ثم فالتنظير النقدي هو جملة العمليات التي تشتغل على عناصر ما قبل النظرية أو متفرعة عن نظرية سابقة بحثا عن نظرية مقترحة جديدة أو معدلة قبل أن تستقر في شكل بناء منظم يمكن تسميته نظرية: إنه فعل ما قبل النظرية دائماً، بمعنى أن التنظير قد يكون مسبوقا بنظرية وقد يكون سابقا لنظرية.(10)، يقتفي تنظير النقد هذا السبيل وهو في أحسن الأحوال لا بـد له من توافر عناصر جوهرية تضمن إمكانية الاستدلال والإقناع وهي مجموعة من الافتراضات والقواعد والمبادئ والمفاهيم والصفة\النسقية والإنتاجية حتى يكون بحثا في صيغة مشروع يريد الوصول إلى بديل وفي الوقت ذاتـه له من النظرية ومن النظري والتقديم النظري والعرض النظري والنقد الأدبي.

وإذن فكل من النظرية ونقد النقد وتنظير النقد لابد وأن يرتبط بتصور منهجي من المناهج السائدة لدى الغرب يسند تصورها ويسعفها بالرؤية الفلسفية والخلفية المعرفية ولذلك فقد ظلت اجتهادات النقاد العرب فيما يتصل بأوجه تعاطيهم مع النقد والنظرية والتنظير ونقد النقد وغيره من المنهج الواقعي نحو المنهج الشكلي فالبنيوي فالتكاملي. فالنفسي ثم الاجتماعي وغيرها، ومن ثم فهذه الدورة خلقت دواراً حقيقيا لدى المتلقي العربي الذي عانى من عسر هضم هذا الكم من التصورات المنهجية في فترة قياسية فضلا عما شابها من نقص معرفي وإهمال ظاهر للخلفيات الفلسفية والإيديولوجية والخصوصيات التي انبثق منها المنهج الثقافي للمنهج. إذ لكل منهج زمن ثقافي يعطيه موقعه ودوره(11).

لكن القسم الثالث اختار أن يقارب المتن الذي اتخذه خطاب نقد النقد موضوعا وكذا تنظير النقد. إن طبيعة موضوع الخطابين بررت ما ذهب إليه الباحث قي بحث أبعاد العلاقات التفاعلية ما بين النقد والفن الالتباس المحرج في تلك الحدود التي تلح أيضا في الصفة الاعتبارية لعلاقة النقد بالعلم، إذ ما مدى حضور تلك الصفة في اشتغاله وما محدداتها؟ طبعا العلم رافد ذو أساس مكين في تشكيل الاشتغال النقدي وسنده النظري، ولكن التداخل له حدوده المعقولة .

وفي الفصل الثالث يطرح المبادئ النقدية التي ساقها نقاد النقد العربي وخطاب تنظيراتهم زمنا وظلت في حكم الملك المشاع.

         في حين خصص الفصل الرابع لوظيفة النقد والتي لا تتعارض مع اعتقاد كل ناقد بأهمية عمله ذاك، حيث إن إشكال الوظيفة محدد بدهيا بالمفهوم السائد للأدب من قبل النقاد، ومن ثم فمتن نقد النقد والتنظير يعادل عنده وظيفة النقد مدلولات كثيرة تبدأ من التوعية والتوجيه خدمة إلى الأدب والقارئ لتقدم مجموعة من البدائل كي تنخرط في وظائف عامة تصنيفية للنقد:

 وظيفة أدبية /تعليمية /أخلاقية /منهجية/أديولوجية.

وقد ارتكز في تصنيف النقد كما هو محقق في نقد النقد والتنظير – على إبعاد الصفة العلمية للتصنيف والنظر إليه من خلال أنه إجراء تنظيمي يروم إعادة ترتيب المادة النقدية التي لم تعد كلا منسجما بل هي على تماس ظاهر بالاختلاف والتعدد وذلك لإيضاح المسار النقدي أو المنهجي وعلاقاته، ولحصر ذلك وإيضاحه لابد من وعي بالتصنيف نفسه من حيث خلفيته النقدية ومرجعيته ومجموعة من المعايير التي تبرر الانقسام وذلك الشكل من التنظيم والترتيب المقترح. ومن معايير التصنيف المعتمدة:

معايير إجرائية ومنهجية وتاريخية ومهنية ووظيفية ومتعددة وعنها تفرع الوعي بتوزيع النقد إلى اتجاهات وأنواع قد تنقسم إلى أنواع فرعية وقد تتآلف المناهج وتمتزج مختزلة الاختلاف النقدي: هذه الإجراءات هي تعبير عن مراحل تاريخية مر بها النقد العربي منذ بدايات القرن العشرين حتى أواخر الثمانينيات منه.

وإذن فأنواع النقد باتجاهاته المختلفة لا تعدو أن تكون صدى للمناهج المشتغلة على الإبداع ولمرجعيات الأدب والنظر إليه وفيه (12).

ولعل إخضاع النقد لتأمل شامل فيما يتصل في صيرورته أو سيرورته معناه نوع من الإنصات إلى التحول في بعده التاريخي بما هو تحقيب يستدعي تصنيفا لمراحل ما.

هذه العملية لها عناصرها ومعاييرها ودوائرها وأبعادها. وإذن فملاحظة النقد من خلال تحولاتها الزمنية خطوة قمينة بفحص القيمة المعرفية والمنهجية التي ظلت سمته منذ بداياته المتسمة بالبساطة والتلقائية حتى امتلك نسقه وإقناعيته الإجرائية. وإذن فثمة تصنيفات لدى النقد العربي المعاصر منذ مدرسة الديوان حتى أواخر الثمانينيات ذات اتجاهات ورؤى ومراحل ارتباطات بنظريات ومناهج ومذاهب فلسفية وأدبية أو معرفية.

وعلى المستوى التنظيري يبدو أن مفهوم التصنيف النقدي ممتزج بنقص من نوع ما، أصل ذلك مرتبط بصيغة أمر تدبير أمر الاختلاف داخل النقد. إن فرز خيوط هذ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

القصة المغربية الجديدة

كتبها abdelati ezzyani ، في 27 مارس 2006 الساعة: 19:57 م

قراءات عاشقة عند محمد العتروس و عبد العزيز الراشدي ولطيفة لبصير وفاطمة بوزيان

د- عبد العاطي الزياني- زاكورة

تخطو القصة المغربية اليوم خطواتها واثقة من مسيرة تتعدد سماتها الإبداعية، وتتنوع قسماتها التجديدية من خلال ارتياد آفاق جديدة رحبة في صيغ الكتابة السردية. هذا  الوجود الافتراضي الذي أصبحت تنحو نحوه القصة المغربية اليوم يعِدُ بآفاق إبداعية أخرى تحفر في المنسي والمهمش والمسكوت عنه والعجيب والغريب والمفارق.

 وتُعَدُّ هذه الثنايا السردية رحما خصبة منها يتسع مجال الحكي محدثا خلخلة للمعتاد وإرباكا للسائد، وهو الدرب الذي نحته كوكبة من الأسماء المبدعة من خلال حساسيتها السردية، التي لاغرو أنها لامست جوهر الكتابة بما هو كشف يثير ويسخر ويصدم ويورط، ويغري ويجذب، ويتنبأ. ولعل القصة المغربية اليوم ومنذ أواخر السبعينيات تكاد تكون قد اختارت هذا المنحى وفاء منها لهوية الإبداع الذي لا يستقيم وجوده من دون المغايرة والاختلاف والتخلص من إسار الاجترار والنمط والثبات والالتزام الساذج المجاني بمسبقات والمرآوية وهلم جرا..

ولذلك أمكن للقصاصين الممتدين من أواسط السبعينات أن يمدوها بتأثيرات كبرى على مستوى الرؤيا والتخيل والموقف من الأثر الكلي وصناعة الشخوص، التي ما عادت تملك غير وجود مائل و ضاغط وملتبس الأنحاء، قلما احتفل بغير اللحظة الحرجة. فمنذ مجموعة " العنف في الدماغ" لأحمد المديني جاء أحمد بوفور وعز الدين التازي ومحمد غرناط وزفزاف وعبد الحميد الغرباوي ومحمد الدغمومي وغيرهم.

مما مهد السبيل مشرعا أمام رواد القصة الجديدة التي لاغرو أنها وسعت مجال الكتابة وضفافها، حيث جد القصاصون الشباب في رفع سؤال الكتابة بكل الممكنات اللغوية والتخييلية، والتي لا تتعالى على شرطها التاريخي. مما جعلها في العمق تحترف الإنصاتَ للخلجات الدقيقة، وتَسَقَّطَ الهوامش والأقاصي، والمسكوت عنه. ورَصْدَ المفارقات واقتناصها.

هذه التجربة الخاصة ذات الحوافز الجمالية والثقافية والاقتصادية تجعلها تقف بين العراء والتوتر وبين التوسع اللغوي والتشتت الرؤيوي. ومعها ما عاد ممكنا ملامسة الواقع بالسمات ذاتها والصفات. كما هو الأمر لدى الرعيل الأول في الستينيات والسبعينيات حتى. فالأسلاف قد آثروا الركون إلى تقاليد متواترة وارتبطوا أ و كادوا ببنية شديدة الإحكام في رصف المكان و انتقاء الزمان واختيار الشخصيات وتحبير الأثر الكلي.، ذلك أن قصاصي اليوم جسدوا التكثيف في أجلى صوره والتركيز في أدق ممكناته.

إذ القصة الجديدة تتأبط المغامرة وترضاها دينا بالمعنى الطقوسي، ورصيد متغير من أدوات تثرى ويتصاعد فعلها الإبداعي والجمالي المحكوم بسياق التحديث بما هو تنويع واجتثاث روح القصة من الجاهز وشبهة التقليد، وإذن فهي إضافة في الصرح الفني للكتابة السردية وإحياء لغائية الكتابة بصيغتها الجمالية.

والقصة الجديدة في سعيها التخيلي ركبت موجة التجريب فاتشحت بسمات أجناس تعبيرية مجاورة،  وجعلت الومضة رسولها المضمر إلى القارئ، لالتقاط النواقص والحيرة والمرارات التي تسم التردد العارم لدى القوى الفاعلة أمام الزمن المترهل والفضاء الثخين بألوان الخراب النفسي والحضاري. وهي صدى جمالي لذاك الضياع الذي يلف الفرد المتعب القلق المهزوم. والمجهد من ركض طويل سرمدي في واقع لا تنتهي انكسارا ته، لتوفير حد أدنى من توازن قوى الذات للمكابرة.. وعلى المستوى الفني فالقصة المغربية صدى شفاف يعتوره النفس الشعري، وهي مجمع فني لكل العلامات الوجودية المرتبطة بالثقافة و الأنتروبولوجيا والجغرافيا والإعلام والانكسار الذاتي والموضوعي، فاغتنى دمها ونسغها وروحها بهذا المتن الخفي – الظاهر. وعلى خلاف قصص الأمس بالستينات التي تغنت بالوطن الخارج لتوه من استعمار قاس وتحفل بيقينيات المواطنة والواجبات القومية والجهوية، وتصفية تركة الماضي.

وعلى عكس المد الإيديولوجي لقصص السبعينات التي يلزمها الارتباط دون مواربة بالموقف والانحياز إلى البسطاء والمقهورين واعتماد شخصيات ذات قيمة نضالية وموضوعات تعانق هموم العيش اليومية، نصرةً لحلف شعبي عام، يرزح تحت نير سلطة الدولة القاهرة. والالتزام الإبداعي من شروط القبول ومقومات الإبداع، لأن السياق يفترض هذا المسار بكل إرساباته الشعبية.

غير أن القصة الجديدة تصر على فتح كوى رحبة وابتكار مناطق بكر، والتخلص من إسار كل المطلقات، فتم الرهان على جوهر الكتابة، وليس موضوع الكتابة. هكذا اختارت القصة الزرقاء رصد المفارقات والومضات الهاربة, والتأمل الشفاف للواقع، والرحيل إلى دهشة الطفولة والحلم والتصوف والاشتغال على اللغة، وشعرنة المهمش واليومي والمنبوذ، والاحتفاء بالمحكي الشعبي، والسخرية من كل الأقانيم الذاتية والموضوعية والتماس مع المقدس والمدنس، واحتراف الصراخ ومعاكسة التيار والاختراق الصادم لكل السلط الممنوعة قبلئذ.

فاندلعت في ما يشبه موسم الزواج في مستهل الربيع الموجة الزرقاء من مثل سعيد بوكرامي   وعبد المجيد شكير وعبد الله المتقي عبد العزيز الراشدي ومحمد شويكة ومحمد العتروس ولطيفة باقا ولطيفة لبصير وسعيد منتسب ومليكة مستظرف والزهرة رميج ومحمد تنفو هشام دحماني ووفاء مليح وأحمد شكر وأنيس الرافعي واللائحة طويلة…….

وأَنشِئَتْ مراكز للبحث في القصة مثل مجموعة البحث في القصة القصيرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك. بالبيضاء وانتظمت ملتقيات قصصية مثل ما هو الأمر في مراكش من قبل جمعية الشعلة و الملتقى القصصي في زاكورة من قبل نادي الهامش القصصي وتتالت مؤتمرات من قبيل ما في شيشاوة ومريرت وقلعة السراغنة. وظهرت مجلة تهتم بالشأن القصصي هي مجلة "قاف، صاد." على سبيل المثال.

غير أن هذا العلو الجمالي يظل في أمس الحاجة إلى اكتشاف الوجه الأخر لوضعها الاعتباري ومردوديتها الفنية،  وتبين العالم الرمزي الذي تسعى لتشييده. لأن قدرا وافرا من المحاولات القصصية ظلت تمارس ركضا مجانيا أحيانا وراء التقنيات والأدوات التجميلية دون وفاء حقيقي بشروط الكتابة ومسؤولياتها الفنية، إذ لا تكفي الإثارة والتهويم والعقوق الفني كي نفي لشروط الإبداع وتجديده وتنمية موارده الجمالية. هنا تصبح الأسئلة التالية مشروع

إعادة قراءة وتنخل الأهم من المهم، ويتعين على النقاد الانخراط الفعال في رؤيتها وتقليب أسئلتها على كافة الأوجه الممكنة، كي لا ينقلب السحر على الساحر:

-      هل القصة الجديدة عملية تجريب لا تتوقف، وأنها لغة في لغة في لغة؟

-      هل دأب القصة الجديدة التخلص من قرائها، وإتعابهم المزمن في مبارزة قصصوية على حلبة لا تتسع إلا لنخبة النخبة ومن أوتي بخاتم سليمان اللساني ؟

-      هل القصة هي ذاك التراوح المتشظي بين الأحاسيس والمشاهد والمواقف؟

-      هل القصة هي اللامسؤولية الجمالية بكل أخلاقياتها الإبداعية والحضارية؟

-      وهل أصبح القاص مخربا في حل من كل وثاق ذاتي أو جماعي أو فني؟

إذا كان الأمر على ما احتملنا؟

فمعنى ذلك أن أمر القصة الجمالي يمسي في موضع سؤال محرج في سياق ملامسة حدود الإبداع التي قد تدق على الاكتشاف أحيانا.

     هذه المتاهة التي لاشك أنها قد تعيق دينامية الدورة القصصية تؤول بالمسؤولية الكاملة على النقد الغائب في مجمل الأوقات عن مواكبة غزارة الإصدارات التي تضاعفت بشكل يدعو إلى الاحتفاء بها بأشكال يلزم أن تعلو على صيغ النقد الصحفي والإخواني. ومن ثم فتخلف مؤسسة القارئ الناقد عن إيقاع الركض ترك خللا ظاهرا في التعاطي الجمالي مع  جنس القصة بشكل خاص.

     هذه الحصيلة التي باتت تفرز من تراكمها الكمي كيفا نوعيا فاز بعضه بجوائز عربية في مصر وفي الشارقة وغيرها، وفي أوربا يؤكد بالملموس ترسُّخَ تقاليد قصصية بالغة البذاخة، وانضمام القصة إلى عمارة الصرح الإبداعي المغربي على غرار الشعر والرواية وتزيد من تعميق صورتها في. المشهد العربي.

سأسعى في هذه المداخلة أن ألامس جوانب من الإبداع لدى قاصين ماجدين هما القاص محمد العتروس والقاص عبد العزيز الراشيدي ولدى القاصتين كل من لطيفة لبصير وفاطمة بوزيان.

     تضمر مجموعة " عناقيد الحزن" الصادرة عام 2002 عن مجموعة البحث في القصة القصيرة مقومات نصية ذات بناء وتشكيل فنيين غاية في الانفتاح، قوامها الارتكاز بشكل عميق على استثمار تقنية الحوافز- والتي اكتشفتها المدرسة الشكلانية من خلال بحوث فلاديمير بروب وقراءات ليفي ستراوس وغيرهم – وتعتمد موضوعة الحوافز على نهج تصوري لتأسيس تماسك القصة وديناميتها، من خلال الانطلاق من موضوعات ذات أهداف تقترب من منطلق مسافتها من البناء التقليدي للحكاية والقصة من الصوغ السردي الذي يسهم في " تنامي الموضوع وتوليد الأحداث وظهور شخصيات جديدة تساهم بدورها في تطوير القصة" أفاق ع 60 1998 ص 19-18

فعند العتروس لم تكن القصة تحت رحمة التداعي والارتجال كما كان عليه الأمر لدى الرعيل الأول ومن خلفه في المشهد. كما أنها لم تعد تتدفق من بؤرة واحدة، وتسير في اتجاه واحد كأنها تسابق نهايتها وموتها مما يبعدها من النمطية والتلاشي"ص 19 نفسه

وعلى مستوى البناء الهيكلي فالقصة عند العتروس تولد بذرة من حدث صغير وينمو، لها مسافتها المعقولة من الممارسة التقليدية لتشييد الحكاية بمسبقات مصممة سلفا. ولذلك فهي لا تمثل الخطية الزمنية ولا الحكي الأفقي أو البناء الهرمي المتنقل بين البداية والعقدة والنهاية والحل، إذ لا عقدة واضحة لديه أو معزولة بل النص ذاته ورطة كبرى. والنهاية شبيهة بالبداية لأن المآزق لا تكاد تفارق شخصياته.

فالقصة عند العتروس تخلق بنائين متمايزين:

 البناء الخارجي وتتوازى فيه البنيات المنغلقة والمتفجرة والبنيات المتشظية.

-      البناء الداخلي وتخلقه الحوافر والتنامي المضمر للحدث والبدائل.

وتواجه الشخصية في مجمل قصصه ضغوطا نفسية وتلاحقها أحاسيس الملل والضجر والحيرة والضياع فلا تجد حلا لكل هذا إلا في مزيد من الصراخ السردي الخفي الذي يعكس المثبطات الكثيرة التي تحيط حياتنا.

وعموما فالقصة عند محمد العتروس تتناثر من حولها الأحلام وتداعيات الغربة ومعاناة سؤال الكينونة في الغرب لدى المهاجر الضائع بين العنصرية والبرد وليالي الجوع والرماد والجنون. وتتكاثف فيها اللغة الشعرية، حيث كان محمد العتروس رائيا جماليا للمشاهد والفضاءات واللحظات المرة. وهو ما أهله كي يكون رفاء ثياب يؤلف بين العناصر ويبني التفاصيل تفاصيل واقع نصي مر مسكون بهواجس الموت والغربة والشجن

 

 

 

 

 

 

 

 

تحمل الكتابة القصصية لدى الكاتب المغربي عبد العزيز الراشدي حُلمها عاليا في انخراط أثيري لافت في هواجس الكتابة وشجونها وأفياء الذات وتمزقاتها ولؤم الوضع ومفارقاته الصارخة وفي سؤال الجنوب البعيدإنها كتابة مُجدة ملأى بالحياة في صيغة الاكتشاف الثر بالدهشة،في صفاء لغوي تحوزه الإثارة العجيبة والوله بتدفق مطر الطفولة كامنا تارة خلف الحكي الجامح المنساب بإيقاعه، ومدرارا تارة أخرى في مدى رمزي ينأى عن الواقعية الفجة. و تبين مجموعة " زقاق الموتى"باكورة القاص عبد العزيز الراشدي،أن هذه الأضمومة ستثرى خلفها درر وطرز سرديتين. لأن الكتابة القصصية التي عكستها المجموعة كشفت عن تمثل باهر لتقنيات الحكي ومساربه، حيث أبانت المجموعة البهية أصالة الحكاية وحذرها، وقلق الكتابة وتحوطها، مما يكشف أن القصة القصيرة عند الراشدي محبوكة، مسبوكة مستلهمة فضاءات رحبة، وعوالم ثرة بالدهشة، معوله النبش المستمر والدائم في مطاوي الطفولة وغياهب الجنوب الكابي، غير المنتفع في نكهة بولفينية

زقاق الموتى عنوان صادم جارح، وقعه الدلالي مشع بالفقدان، شفاف عن جلبة ما، عن ضوضاء، صارخ صبوا وحبوا. فالزقاق مدى مكاني ممتد ذو سمات قديمة خلافا للشارع. وهو لذلك مترع بأسرار الماضي. و كوى حكاياته رحبة، والموتى كائنات تراخى بها الزمان إلى أن أمست أشباحا بلا ظلال. فما الذي يعنيه الراشدي بهذا الاحتفال بالمكان الأصيل.والمخلوقات التي غادرت المسرح، وغرقت في رطوبة الحفر الثخينة من الصمت ورجع النسيان والذكرى.

إن القارئ لتتقطع به السبل إذ يغوص في دوامة ما يهجس به العنوان المتوتر الملغوم. ولأمر ما فزقاق الموتى هو أيضا في المجموعة زقاق الجنوب، زقاق الطفولة، زقاق الكتابة، زقاق الحكايات الماكرة. زقاق الفصول، زقاق الشخصيات الهشة…

 

     ترسم مجموعة " رغبة فقط" للقاصة لطيفة لبصير لوحات سردية عميقة شفافة إذ تنبئ عن ديناميتها المتكاثرة للأحداث والفضاءات " على استثمار إمكانات الحلمي والغرائبي الاستيهامي فضلا عن إلباس البنية السردية ظلال الرؤيا الشعرية" حسن المودن  ص 82

كما تتدفق دلالتها ورموزها بامتلاء مرهف حيث تتماس الأشياء والشخوص مع حدود ذاك الإضمار المركب بين الواقع والمتخيل، هذه الصيغة السردية المركبة لهيكل قصصها تخلق مسافة جارحة مع الخطية تقول في قصة " كنت أنظر بشغف حين توقفتْ لدى بائع الورود وبدأت تحدق. قالت للبائع: أعطني وردة بيضاء. كان البائع يهم بأن يحضر الوردة لولا أن تسمر في مكانه، وكأنه تذكر شيئا ما، فبالنسبة إليه رجل وامرأة لا يمكن أن يكون بينهما وردة بيضاء، لكنها أكدت أنها وردة بيضاء" ص7

ففي قصص لطيفة لبصير ولع دفين بالكشف عن حميمية الذات، فسحا للمجال أمام  لواعجها لتبوح بأدوائها وأحلامها ورغباتها ووجدها وإصرارها على بعث إنسانيتها، وإذن فهذه المجموعة في عمقها محض رغبات مؤجلة وأحلام تسعى لبلوغها.

 ولذلك فقارئ المجموعة سيحس حين يتوغل بي المشي قراءة في براري حكي المجموعة الأرض تحت أقدامه تتململ "  كأنه يرى لأول عالما جديدا، فيفتح عينيه على سعتها، ويفغر فاه من الدهشة وهو يقول: العجاب… ولا حاجة مكَادة" الزرافة المشتعلة" ص12

عوالم مجموعة " رغبة فقط" تصيب القارئ بالقلق والتأزم ولا تمنحه الراحة التي يتنفس فيها الصعداء حيث لاحقت القلق الدفين الذي يصيب في الصميم قطاعات المجتمع: الشابة والشاب و الأستاذ والأم والأب والأطفال والمطلقات والمتزوجات وغيرهن.

 فقد غرفت الكاتبة من الواقع والذاكرة والهوامش والمتخيل والهوامش والمرئي وصاغت عوالمها انطلاقا من الم اللحظة مستثمرة رموزا خالية من القداسة وأبنية حكائية متوترة عمادها الإرباك وانتهاك أعراف اليقين فتجابه شخصيات مصابة بدوار حقيقي  وشطح مزمن  قدرها الحذر والكبت والانتهازية والخوف والتيه المزمن.

وتؤكد عناوين قصصها ما أشرنا إليه" وردة بيضاء. حين عادت جدتي ، المعطف، رغبة فقط، رغبة، البارميطة، الكية، سأهديك نجوى، دوائر، رغيف أحمر، خريف، مسافة. ثمة هواجس كثيرة تنضح بها هذه العناوين ، كما تتداخل الأزمنة والضمائر والفضاءات، ويتناوب  الواقع والحلم والاستيهام والهذيان ويتناوب الواقعي  والعجائبي والغرائبي" حسن المودن ص 88

 وعموما فلطيفة لبصير تمارس حكيها

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

لسيرة الذاتية للدكتور عبد العاطي الزياني

كتبها abdelati ezzyani ، في 22 مارس 2006 الساعة: 21:03 م

                  

الاسم الكامل: الــــزياني عبد العاطي

الميـــلاد: 1971 زاكورة – الجنوب الشرقي للمغرب

المستوى التعليمي: شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة محمد الخامس بالرباط عن أطروحة جامعية بعنوان " استراتيجيات التأويل في النقد العربي القديم. كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه " نموذجا

المهنة: أستاذ التعليم الثانوي الإعدادي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تقديم

كتبها abdelati ezzyani ، في 22 مارس 2006 الساعة: 20:37 م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ)آل عمران: 159

(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)الممتحنة: 4

(فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الاَْرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ)الرعد: 17

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb