زاكورة
توطئة
مجموعة (توذة)هي باكورة المبدع المازن أحمد شكر والذي ظل يطلع على القراء من منابر ثقافية عديدة منذ أوائل التسعينيات صوتا قصصيــــا مكثفا بالشعر و سلطة المكان، و قد صدرت له هذه المجموعة القصصية عن دار القرويين في طبعة أنيقة عام 2002. وثمة دلائل كثيرة أن أحمد شكر ما يزال يخبئ في جرابه قضا و قضيضا، و يعدنا لاحقا بجديد سيبهجنا حتما في كثافة دقيقة شارفت الشعر وآمنت بفتوحاته. و لذلك يبدو أن مجموعة " توذة " قد آلت على نفسها اختيار منحى فني عميق تكاد تتفرد به من بين المجموعات القصصية المغربية. وهو ذاك الدفق الشعري الخالص الذي دمغ أجزاء وافرة من بنيانها الفني.
تـجنيس المجموعة القصصية: توذة "
يبدو سؤال تجنيس مجموعة " توذة " ملحا لغاية تتبع وضبط مستويات تلقيها والاهتداء إلى التأويلات الممكنة لقصصها المتعددة المداخل والمتنوعة المسارب الحكائية. إجراء كهذا مشروط بالوضعية الاعتبارية الأدبية لنصوص أثبت على غلافها "قصص قصيرة " ومن ثم فهذا التعاقد يتحكم في صيغة القراءة التي لا بد أن تكون محملة بأنساق تفكير وتأويل يحتل البعد السردي قطبها. لن نغوص في نقاش مستفيض بصدد الأجناس الأدبية ورسوخها و صفاتها (3) وخصائصها وتراكمها ونماذجها وصيغها، ولكن ينبغي إيضاح فكرة أراها جديرة بالتوضيح: إن مفهوم القص عموما يفترض وضعا إبداعيا وحدودا فنية و فضاء دلاليا وزمنيا ومكانيا وحكيا مختلف الرصد، والضوابط وشخوصا متبانية الاتجاه والرأي والفعل، وصيغة لغوية ذات سمات ومزايا خاصة تنسجم صفاتها مع طابع القص بشكل عام.
هذا الاعتبار إذا ما وضعناه وجها لوجه أمام قصص مجموعة " توذة " سيلمس القارئ ثمة شبه اتفاق من حيث المبدأ. غير أن الغوص في أعماق النصوص الحكائية يترك انطباعا لا مجال لإخفائه، و يتمثل في التمرد الظاهر عن إصرار عن تلك المواضعات المفترضة سلفا لجنس القصة، واجتراح أفق آخر أكسبها صفات أخرى إبداعية متجاوزة شكلا معلوما نحو آخر استجد مع موجة قصاصي الثمانينات والتسعينات (4) يتعلق الأمر ببلاغة قصصية جديدة تلح على إغراق الحكاية بالشعر أو تشتيتها في فجوات السرد و استثمار تقنيات تجريبية جديدة.
و إذن يصح هاهنا أن نقرأها من المدخل الشعري وهو ضلع أساس في صياغة الفضاءات و الشخصيات والرؤى السردية، أو من المدخل السردي وهو أساس البناء الفني. و لذلك فهذا المد الشعري حول مجمل نصوص المجموعة إلى قصائد نثرية أقرب إلى الشعر منه إلى القصة.
هذا ما يحمل على الانطباع أن أحمد شكر قد أتى إلى القصة محملا بحنين الومضات الشعرية وبريق الرؤى الحالمة، التي يضمرها ألق الشعر السحري وعصيان اللغة المارقة من مخالب الإيقاع.
وإذن فسؤال تجنيس المجموعة القصصيةهاته، يهيمن فيه هذا البعد المزدوج و يطغى بكثافة محرجة أحيانا لنراه كيف تنشأ لديه المواقف والرؤى وتلك اللحظات الفاصلة بين آن وآن.
يقول " هيكل هذا الزمن و الحزن. و طوح به الانتظار بعيدا في جحور الصمت تغالب ألم مفاصلها وانحناءة الوأد التي قصمت ظهراها لتميز المعالم السالكة إلى المقبرة أو الخلاء الذي اكتظ عن أخره " (5).
يقول في قصة " مزار الألم "كالمسرنم هبطت أدراج السلم مالئة بحضورها الباذخ كل فراغات الصمت تتعقب طيفي عندما احتواهما الكهف معا. لم يصدق كل هذا الصفاء الذي اعتمر مقلتيها بتمتمة أشار إلى الجنبات المتشظية والفائحة بنور الشموع التي غرست طردا كائنات الخوف "(6)
الموقفان معا حول لحظتين مقتضبتين من زمن دقيق:
1- الشيخوخة و تثاقل خطى الروح، إذ الصمت الرتيب ونداءات القبر.
2- تماس وجداني بين فتى و فتاة مفتونين بنداءات حالمة بعشق يسع قلبين.
يتضح إذن ذاك الإغراق السردي بالشعر حتى يجد القارئ نفسه أمام نصوص شعرية نثرية، غير أن هذا البناء الشعري ما ينبغي أن يصرف أنظارنا عن أن المجموعة سارت في صيغتها اللغوية على سمت واحد، بل لقد استعان القاص أحمد شكر باللغة الدارجة قصة (مال السماء) " اسمع أو ليدي كاع اللي كتمشي و كتخرج و تدرج ما عندك فيها ربح، شوف الله يرضي عليك أنا بلية الكسيبة سرات في دمي لا فراق لي عليها، غير تديني ولا نديها و لاكن خايف على أولادي " (7).
إن إفساح المجال لهذه الكائنات الهامشية كي تعبر عن رأيها بلغتها اليومية إخراج لها عن سياج القص الرصين المتواضع على انتسابه إلى العائلة السردية القصصية الرصينة التي ارتبط الانتماء إليها بالصفة اللغوية الفصيحة. غير أن التوجه الحكائي الذي انتحاه أحمد شكر إدراج للقصة في فضاءات هامشية لا يلقي إليها العديد من الناس بالا، و هو مسعى آخر لحشرها في تفاصيل هموم صغيرة التي هي أصلا منشأ الهموم الكبرى. إن النصين منصبان على " الجفاف بأرقامه و خسائره و آثاره الوخيمة على البشر و الأرض و الحيوانات و الطير".
عناوين القصص:
تضم المجموعة القصصية ثمانية عشر نصا قصصيا. وقصة توذة التي اختارها أن تكون عنوانا المجموعة هي القصة الثالثة.
لعل المتأمل في هذه العناوين التي انتقاها ببهاء لقصصه وهي: " نعيق الغراب، حنين الأماسي، توذة حنيني الغياب، أمهات الموت، مال السماء، خوذة الضياع، أقول، رتق الحنين مهاوي الصمت، هبة الماء مضمر الصباح، مزار الألم، صحابة، كؤوس، هناي، ارتجاج، توحد " تترك الانطباعات التالية:
1- عناوين مركبة من مضاف ومضاف إليه، تكثيفا للمعنى وحصره في بؤر معينة محددة.
2- الكثافة النفسية والمشاعر و الذاتية التي تعرب عنها في القصص: التوحد، الارتجاج، حنين، الألم، الضياع.
3- الحزن الطاغي و المطوق لجلها باستثناء: هبة الماء، مضمر الصباح، مال السماء، صحابة.
4- السمة الشعرية الدالة و الموحية مثل: نعيق الخلاء، مزار الألم، خوذة، الضياع، حنين الغياب.
5- الصفة الرمزية للمعاني التي تولدها و طابعها الاستعاري.
الموضوع / الثيمات
أحمد شكر رعي قصصه على نار لينة، ولم يحتفل بغير الومضات، وتلك اللفتات العصية على القبض أحيانا. حيث لم يكن معنيا كما يخيل لي بالخوض في أسئلة كبرى ينبغي من خلالها دغدغة القارئ الضمني، ذات الأسئلة العالمة أو السياسية أو المعرفية أو الفلسفية، إنه قاص يمتلك كمشة حكايات أليمة للحظات قد لا نفهم لم يجتاحنا حينها التردد و الوجل في إخفائها عن ذواتها:
ألأنها انهيارات كتيمة قد لا تفهم لم تحصل ؟ و كيف نتخلص من ورطاتها؟ يقول :" كل مساحات الفراغ الساكبة هوسها فيك تحتضر الآن. بعد ما انتعشت بملايين النظرات المصوبة إلى تقاسيمك خوفا ورهبة و إعجابا…" (8)
أو حين يقول: " مشدوها وما زلت إلى هذا المشهد الآسر حتى تشابكا في عناق إيروتيكي فاتن. تصاعدت درجات التهابه لأحد بلل شهقتهما التو حدية قد نفذ إلى عظامي." (9).
وغيرها مما نجده في تلك الباقات من إصرار فريد على القبض على مفاصل زمنية هاربة. كما الأمر ذاته في صراع زوجين للحظات عصيبة جاشت خلالها العواطف بحوار كتيم في قصة " مهاوي الصمت «.
فضلا عن هذه أيضا كانت مواضيعه بالبساطة ذاتها التي لها في الحياة والحنين ليس فقط لغة البشر الذين حازوا قدرا عاليا من العلم بل هو لغة الطيور التي لم تشأ أن تنسى المكان بما هو أطلال نخرتها الريح أو أشجار باسقة في العراء أو أبار ناضبة حتى.
إنه الطائر المفتون بسحر القفر يتكلم كل لغات النفوس (الحنين الألفة، الوفاء، الحب…)
إن في النسر أو العقاب شيئا من الإنسان، كما أن تلك الصداقة المعتادة التي تجمع بين ذاتين شاء لهما أحمد شكر في قصة " حنين الغياب " أن تربط بينت أبا علي الفلاح القروي و محركه الذي يضح به المياه من البئر. فألفة عشرات السنين بينهما خلقت في باعلي الرعاية ومن المحرك الامتثال…و حين مات باعلي، و دفن، جرب الناس المحرك لكنه أضرب على الاشتغال، لأن روحه رحلت إلى السماوات لتلاقي روح باعلي. أليست الألفة أحيانا تمد الجسور حتى بين الأعداء، و لذلك ألا يستحق هذا المحرك أن يرتاح من لغط فلاحين لم يعتد على أن يشغلوه كما باعلي.
لم ينس أحمد شكر أن يفي لجذوره بقسط من البوح و البكاء: فتوذة هذا الاسم الأمازيغي المجلل بالكبرياء و غور الجذور والعز المترع بالفروسية هاهو اليوم أضحى نهبا للقتل الرمزي و للتدجين و للتعهير…
اسم توذة عنوان تاريخ ممتد له و عناصر الكون ذكرى لقاء في زمن سحيق يقول: " اسم نحت من مسالك هذه الجبال الفاتنة ليصير معبرا إلى مملكة الجنون الكوني لتغزو الأعماق " (10).
فإن كان قرنها بهذا الميلاد الأسطوري ذي السمات البطولية، فهاهم أشباه الرجال اليوم في زمن الخصاء، عادوا فحولا يبحثون عن فروسيات دونكيشوتية ضائعة، تستعيد الشرف المستباح في كل العتمات، على طول كل المراكز الحضرية الوطيئة عند قدم الأطلس العالي، من أقصاه إلى أقصاه. و إذن فتوذة ممر العابرين، ولأطلس الشامخ أصبح الأطلس الباكي….
في المجموعة صدى عميق مرير للموت و للمقابر، فهو عنوان قصة " أمهات الموت "’ وهو الكأس الأخيرة من الكؤوس التي لا مندوحة لابن أنثى وإن طالت عافيته من تجرعها. ولذلك فإن كان لدى الصغار قرين الرعب والفزع، فلدى الكبار واجب ومحطة لا منجاة من الوقوف فيها. فالموتى ومنهم( أباعلي. وأمه التي أهداها قصة " أمهات الموت " و العسكري المتقاعد، الطالب الذي عذب حتى لفظ أنفاسه….).
غير أني أرى الموت يكشر عن أنيابه السوداء: في الطالب الذي مات في ظروف غامضة في ضيافة قوات الأمن يعتبر عنوان جيل كامل واجه الموت الجبان في الملاحقات كما لاقاه بشرف بين الكرابيج و السياط و أقبية التعذيب، إنها المأساة التي كظمها جيل مغربي صرخ لحظة ضيم وغبن و قال كفى من النزيف المجاني للبلاد والعباد. فكانت عص






















