Yahoo!

القص الشعري وغواية الحكي النثري(1)

كتبهاabdelati ezzyani ، في 28 مارس 2006 الساعة: 19:59 م

                                                                                          

           زاكورة

      توطئة

مجموعة (توذة)هي باكورة المبدع المازن أحمد شكر والذي ظل يطلع   على القراء من منابر ثقافية عديدة منذ أوائل التسعينيات صوتا قصصيــــا مكثفا بالشعر و سلطة المكان، و قد صدرت له هذه المجموعة القصصية عن دار القرويين في طبعة أنيقة عام 2002.  وثمة دلائل كثيرة أن أحمد شكر ما يزال يخبئ في جرابه قضا و قضيضا، و يعدنا لاحقا بجديد سيبهجنا حتما في كثافة دقيقة شارفت الشعر وآمنت بفتوحاته. و لذلك يبدو أن مجموعة " توذة " قد آلت على نفسها اختيار منحى فني عميق تكاد تتفرد به من بين المجموعات القصصية المغربية.  وهو ذاك الدفق الشعري الخالص الذي دمغ أجزاء وافرة من بنيانها الفني.

 تـجنيس المجموعة القصصية: توذة "

        يبدو سؤال تجنيس مجموعة " توذة " ملحا لغاية تتبع وضبط مستويات تلقيها والاهتداء إلى التأويلات الممكنة لقصصها المتعددة المداخل والمتنوعة المسارب الحكائية. إجراء كهذا مشروط بالوضعية الاعتبارية الأدبية لنصوص أثبت على غلافها "قصص قصيرة " ومن ثم فهذا التعاقد يتحكم في صيغة القراءة التي لا بد أن تكون محملة بأنساق تفكير وتأويل يحتل البعد السردي قطبها. لن نغوص في نقاش مستفيض بصدد الأجناس الأدبية ورسوخها و صفاتها (3) وخصائصها وتراكمها ونماذجها وصيغها، ولكن ينبغي إيضاح فكرة أراها جديرة بالتوضيح: إن مفهوم القص عموما يفترض وضعا إبداعيا وحدودا فنية و فضاء دلاليا وزمنيا ومكانيا وحكيا مختلف الرصد، والضوابط وشخوصا متبانية الاتجاه والرأي والفعل، وصيغة لغوية ذات سمات ومزايا خاصة تنسجم صفاتها مع طابع القص بشكل عام.

          هذا الاعتبار إذا ما وضعناه وجها لوجه أمام قصص مجموعة " توذة " سيلمس القارئ ثمة شبه اتفاق من حيث المبدأ. غير أن الغوص في أعماق النصوص الحكائية يترك انطباعا لا مجال لإخفائه، و يتمثل في التمرد الظاهر عن إصرار عن تلك المواضعات المفترضة سلفا لجنس القصة، واجتراح أفق آخر أكسبها صفات أخرى إبداعية متجاوزة شكلا معلوما نحو آخر استجد مع موجة قصاصي الثمانينات والتسعينات (4) يتعلق الأمر ببلاغة قصصية جديدة تلح على إغراق الحكاية بالشعر أو تشتيتها في فجوات السرد و استثمار تقنيات تجريبية جديدة.             

        و إذن يصح هاهنا أن نقرأها من المدخل الشعري وهو ضلع أساس في صياغة الفضاءات و الشخصيات والرؤى السردية، أو من المدخل السردي وهو أساس البناء الفني. و لذلك فهذا المد الشعري حول مجمل نصوص المجموعة إلى قصائد نثرية أقرب إلى الشعر منه إلى القصة.

        هذا ما يحمل على الانطباع أن أحمد شكر قد أتى إلى القصة محملا بحنين الومضات الشعرية وبريق الرؤى الحالمة، التي يضمرها ألق الشعر السحري وعصيان اللغة المارقة من مخالب الإيقاع.

         وإذن فسؤال تجنيس المجموعة القصصيةهاته، يهيمن فيه هذا البعد المزدوج و يطغى بكثافة محرجة أحيانا لنراه كيف تنشأ لديه المواقف والرؤى وتلك اللحظات الفاصلة بين آن وآن.

         يقول " هيكل هذا الزمن و الحزن. و طوح به الانتظار بعيدا في جحور الصمت تغالب ألم مفاصلها وانحناءة الوأد التي قصمت ظهراها لتميز المعالم السالكة إلى المقبرة أو الخلاء الذي اكتظ عن أخره " (5).

  يقول في قصة " مزار الألم "كالمسرنم هبطت أدراج السلم مالئة بحضورها الباذخ كل فراغات الصمت تتعقب طيفي عندما احتواهما الكهف معا. لم يصدق كل هذا الصفاء الذي اعتمر مقلتيها بتمتمة أشار إلى الجنبات المتشظية والفائحة بنور الشموع التي غرست طردا كائنات الخوف "(6)

الموقفان معا حول لحظتين مقتضبتين من زمن دقيق:

1- الشيخوخة و تثاقل خطى الروح، إذ الصمت الرتيب ونداءات القبر.

2- تماس وجداني بين فتى و فتاة مفتونين بنداءات حالمة بعشق يسع قلبين.

      يتضح إذن ذاك الإغراق السردي بالشعر حتى يجد القارئ نفسه أمام نصوص شعرية نثرية، غير أن هذا البناء الشعري ما ينبغي أن يصرف أنظارنا عن أن المجموعة سارت في صيغتها اللغوية على سمت واحد، بل لقد استعان القاص أحمد شكر باللغة الدارجة قصة (مال السماء) " اسمع أو ليدي كاع اللي كتمشي و كتخرج و تدرج ما عندك فيها ربح، شوف الله يرضي عليك أنا بلية الكسيبة سرات في دمي لا فراق لي عليها، غير تديني ولا نديها و لاكن خايف على أولادي " (7).

         إن إفساح المجال لهذه الكائنات الهامشية كي تعبر عن رأيها بلغتها اليومية إخراج لها عن سياج القص الرصين المتواضع على انتسابه إلى العائلة السردية القصصية الرصينة التي ارتبط الانتماء إليها بالصفة اللغوية الفصيحة. غير أن التوجه الحكائي الذي انتحاه أحمد شكر إدراج للقصة في فضاءات هامشية لا يلقي إليها العديد من الناس بالا، و هو مسعى آخر لحشرها في تفاصيل هموم صغيرة التي هي أصلا منشأ الهموم الكبرى. إن النصين منصبان على " الجفاف بأرقامه و خسائره و آثاره الوخيمة على البشر و الأرض و الحيوانات و الطير".

        عناوين القصص:

تضم المجموعة القصصية ثمانية عشر نصا قصصيا. وقصة توذة التي اختارها أن تكون عنوانا المجموعة هي القصة الثالثة.

لعل المتأمل في هذه العناوين التي انتقاها ببهاء لقصصه وهي: " نعيق الغراب، حنين الأماسي، توذة حنيني الغياب، أمهات الموت، مال السماء، خوذة الضياع، أقول، رتق الحنين مهاوي الصمت، هبة الماء مضمر الصباح، مزار الألم، صحابة، كؤوس، هناي، ارتجاج، توحد " تترك الانطباعات التالية:

1- عناوين مركبة من مضاف ومضاف إليه، تكثيفا للمعنى وحصره في بؤر معينة محددة.

2- الكثافة النفسية والمشاعر و الذاتية التي تعرب عنها في القصص: التوحد، الارتجاج، حنين، الألم، الضياع.

3- الحزن الطاغي و المطوق لجلها باستثناء: هبة الماء، مضمر الصباح، مال السماء، صحابة.

4- السمة الشعرية الدالة و الموحية مثل: نعيق الخلاء، مزار الألم، خوذة، الضياع، حنين الغياب.

5- الصفة الرمزية للمعاني التي تولدها و طابعها الاستعاري.

   الموضوع / الثيمات

أحمد شكر رعي قصصه على نار لينة، ولم يحتفل بغير الومضات، وتلك اللفتات العصية على القبض أحيانا. حيث لم يكن معنيا كما يخيل لي بالخوض في أسئلة كبرى ينبغي من خلالها دغدغة القارئ الضمني، ذات الأسئلة العالمة أو السياسية أو المعرفية أو الفلسفية، إنه قاص يمتلك كمشة حكايات أليمة للحظات قد لا نفهم لم يجتاحنا حينها التردد و الوجل في إخفائها عن ذواتها:

        ألأنها انهيارات كتيمة قد لا تفهم لم تحصل ؟ و كيف نتخلص من ورطاتها؟ يقول :" كل مساحات الفراغ الساكبة هوسها فيك تحتضر الآن. بعد ما انتعشت بملايين النظرات المصوبة إلى تقاسيمك خوفا ورهبة و إعجابا…" (8)

      أو حين يقول: " مشدوها وما زلت إلى هذا المشهد الآسر حتى تشابكا في عناق إيروتيكي فاتن. تصاعدت درجات التهابه لأحد بلل شهقتهما التو حدية قد نفذ إلى عظامي." (9).

         وغيرها مما نجده في تلك الباقات من إصرار فريد على القبض على مفاصل زمنية هاربة. كما الأمر ذاته في صراع زوجين للحظات عصيبة جاشت خلالها العواطف بحوار كتيم في قصة " مهاوي الصمت «.

         فضلا عن هذه أيضا كانت مواضيعه بالبساطة ذاتها التي لها في الحياة والحنين ليس فقط لغة البشر الذين حازوا قدرا عاليا من العلم بل هو لغة الطيور التي لم تشأ أن تنسى المكان بما هو أطلال نخرتها الريح أو أشجار باسقة في العراء أو أبار ناضبة حتى.

 إنه الطائر المفتون بسحر القفر يتكلم كل لغات النفوس (الحنين الألفة، الوفاء، الحب…)

إن في النسر أو العقاب شيئا من الإنسان، كما أن تلك الصداقة المعتادة التي تجمع بين ذاتين شاء لهما أحمد شكر في قصة " حنين الغياب " أن تربط بينت أبا علي الفلاح القروي و محركه الذي يضح به المياه من البئر. فألفة عشرات السنين بينهما خلقت في باعلي الرعاية ومن المحرك الامتثال…و حين مات باعلي، و دفن، جرب الناس المحرك لكنه أضرب على الاشتغال، لأن روحه رحلت إلى السماوات لتلاقي روح باعلي. أليست الألفة أحيانا تمد الجسور حتى بين الأعداء، و لذلك ألا يستحق هذا المحرك أن يرتاح من لغط فلاحين لم يعتد على أن يشغلوه كما باعلي.

 لم ينس أحمد شكر أن يفي لجذوره بقسط من البوح و البكاء: فتوذة هذا الاسم الأمازيغي المجلل بالكبرياء و غور الجذور والعز المترع بالفروسية هاهو اليوم أضحى نهبا للقتل الرمزي و للتدجين و للتعهير…

اسم توذة عنوان تاريخ ممتد له و عناصر الكون ذكرى لقاء في زمن سحيق يقول: " اسم نحت من مسالك هذه الجبال الفاتنة ليصير معبرا إلى مملكة الجنون الكوني لتغزو الأعماق " (10).

       فإن كان قرنها بهذا الميلاد الأسطوري ذي السمات البطولية، فهاهم أشباه الرجال اليوم في زمن الخصاء، عادوا فحولا يبحثون عن فروسيات دونكيشوتية ضائعة، تستعيد الشرف المستباح في كل العتمات، على طول كل المراكز الحضرية الوطيئة عند قدم الأطلس العالي، من أقصاه إلى أقصاه. و إذن فتوذة ممر العابرين، ولأطلس الشامخ أصبح الأطلس الباكي….

       في المجموعة صدى عميق مرير للموت و للمقابر، فهو عنوان قصة " أمهات الموت "’ وهو الكأس الأخيرة من الكؤوس التي لا مندوحة لابن أنثى وإن طالت عافيته من تجرعها. ولذلك فإن كان لدى الصغار قرين الرعب والفزع، فلدى الكبار واجب ومحطة لا منجاة من الوقوف فيها. فالموتى ومنهم( أباعلي. وأمه التي أهداها قصة " أمهات الموت " و العسكري المتقاعد، الطالب الذي عذب حتى لفظ أنفاسه….).

           غير أني أرى الموت يكشر عن أنيابه السوداء: في الطالب الذي مات في ظروف غامضة في ضيافة قوات الأمن يعتبر عنوان جيل كامل واجه الموت الجبان في الملاحقات كما لاقاه بشرف بين الكرابيج و السياط و أقبية التعذيب، إنها المأساة التي كظمها جيل مغربي صرخ لحظة ضيم وغبن و قال كفى من النزيف المجاني للبلاد والعباد. فكانت عصاهم أصلب من الجيل الفتي، العصا التي تحولت إلى بنادق تفرغ رصاصها في الليل لتفزع الحمام و الأرانب و تتلف بيضها.

             إن السلطة العمياء تعلو ولا يعلى عليها إلا بمكر و مكيدة مضاعفين.

  و إذن ماذا يبقى من جندي ناج من و ويلات حرب أخذ إليها قسرا، و ليست حربه بأي حال من الأحوال، إلا ذكرى الموتى و نعي العجائز. ولذلك فلديه تعد ذكرى البياض بياض النصرانيات و ذكرى الضياع ثنائيتين تفسران كل التيه الذي أحاط بهذا العائد المقهور الذي ما يزال يتألم أنه يصدر أصواتا مرة الليل ولم تستسغ زوجته النصرانية أن تتحملها فرحلت….

           لم تنس المجموعة القصصية أحلام الطفولة واستهاماتها: فهم يخشون القبور، وهم ذاكرة أساسية لمرحلة من مراحل تطورالمدينة: و لذلك فهم قد ينسون كل شيء إلا تلك الصراعات التي تنشب بين أطفال حي و آخر فهي تنقش في الذاكرة، وعند القاص الطفولة مستوى لحياة لم يبق منها اليوم إلا الذكرى و كم لهم مع الحرفين – الذين هم جزء من ذاكرة المدن العتيقة و صخبها و بشرها الصدئ. و هم أيضا رقم من أرقامها يصعب تجاوزه – من معارك خاسرة فالطفل لا يفهم تلك الحدود النارية بين فضائه اللعبي و بين محلات الحرفين، وهناك تنشب المعارك التي غالبا ما يصبح فيها التاجر طفلا "دري" وقد أسلفنا سابقا في مسألة تجنيس المجموعة القصصية هذه وبدا لنا ذاك المد الشعري للغة الحكائية، و هو ما يجعل استثمار اللغة يستند على خلفية لغوية قصصية خاصة، لا فتة للانتباه و لذلك فقد نشدت قصصه زاوية من سماء، وموطئ قدم لدى قارئ شغوف بسحر اللغة و آلائها، وذاك الخيال اللغوي المجنح، إنها لعبة الحكي بضمائر متعددة. وبرؤى تتقاطب أحيانا، و بلغات تتوازى و تتصارع، وتتجاور خالقا نسقا بهيا في اقتصاد لغوي ثر المعاني دون ثرثرة مجانية، إنها اللحظات التي نعتقد أنها في منأى عن الكلام من أجل الكلام.

  وإجمالا أحمد شكر صوت سردي جديد آثر مثل ثلة من رفاق دربه القصصي أن يلوذ ب: " خير الحكي ما شذب و أشعل الحرائق في ذهن قراء مفترضين".

        و لعل المجموعة القصصية ما تزال بكرا، في حاجة إلى دراسات أعمق وأدق في مستويات الشخصيات والفضاء بصيغتيه الزمانية والمكانية، وبناء الخطاب القصصي، ناهيك بالثيمات الأخرى الممتدة في أرجاء مجمل قصصه.

 

                 د عبد العاطي الزياني

                    أستاذ - باحث

                        زكورة

 

هوامش:

1- نص المداخلة التي شاركنا بها للاحتفاء بالسيد أحمد شكر خلال حفل توقيعه للمجموعة في زاكورة.يومه

2- أحمد شكر. توذة مجموعة قصصية دار القرويين ط.1 الدار البيضاء المملكة المغربية  2002

السبت 25 أكتوبر2003 بدار الشباب زاكورة جنوب المغرب

·        3- ينظر بصدد مفهوم الجنس الأدبي و أسئلة خطابه.

 - جنيت جرار: مدخل لجامع النص ترجمة ع الرحمان أيوب ط. 1توبقال – البيضاء 1985.

- رشيد يحياوي: مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية ط1 دار إفريقيا الشرق البيضاء 1991.

4- قد شاعت انتشرت صيغة جديدة للقص منذ فتوحات القاص المغربي أحمد بوزفور في أوائل الثمانينات لتليه كوكبة أخرى من بينهم: سعيد بوكرامي سعيد منتسب ، عبد العزيز الراشيدي  غيرهم .

5- المجموعة القصصية – " توذة " قصة أمهات الموتص26

6- نفسها قصة مزار الألم ص 66

7- نفسها قصة مال السماء ص32

8- نفسها قصة أقول ص 42

9- نفسها قص توحد ص 86.

10- نفسها قصة توذة ص 14.

 ///////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////////

****************************************************************************

على عتبات معالي الشعرقراءة      عاشقة في الإبداع الشعري

في المجموعة الشعرية

" على باب معالي الكلام"

للشاعر نور الدين بازين 1

إلى الشاعر الكبير شوقي بزيع

 

     تضمر المجموعة الشعرية " على باب معالي الكلام" كثافة دلالية، تتدفق بالإشارات والإحالات لأقاصي الذات والكائنات. وتستعيد اللحظة بلا نهائية الأسئلة الممهورة بأنين الحروف وشهيق المرارات، إذ امتحها من صور اليومي، حيث يمتزج الحلم بالواقع والمتخيل بالمعيش.

     وقد صدرت المجموعة عن منشورات جماعة الديوان الشعرية بالمغرب والتي تتخذ مركزا لها مراكش مقرا. وقدم الديوان الشاعر مصطفى غلمان بكلمة تلامس مفاصل النسيج الشعري بالمجموعة، وأمداؤه المنفلتة، وسماته المتوجة بالحزن والشجن السادر.

والمجموعة مهداة لروح والديه وزوجته وأخته.

     لا خلاف أن رصد حركة أفعال الوجود والإنسان، وتفاعل الشاعر مع عناصر الكون شعرا فعل مهيب، والشاعر ذات تحترق مأخوذة بالأصوات، وهي تواجه عصف اللغة وأعاصيرها ومحنة رصد اللحظة واقتناص التذاذها.

     تضم المجموعة ثلاثة وعشرين نصا شعريا، اختار لها عناوين تمتح من دلالتها من حقول مرجعية متنوعة تتراوح بين الوجدان والزمان والمكان والتاريخ والذاكرة وعناصر الكون.

وثمة صراع خفي مع الزمن، وإحساس مزمن بثقله على ذات الشاعر:

فمنذ النص الشعري الأول:

على طاولة مطرزة  

بمواعد الضجر

سبابة الوقت المخضب بالعار

أضرمت أشطانك النظيفة

كي تجرف أسماء لفظتنا من جرحها" 2

وفي نص آخر يقول:

لليل جرح قديم.» 3

     فالزمن له صفات الضجر والعار والجراح، مما يجعله معادلا للألم. وفي خلال هذه الحساسية فقد آثر الشاعر ان يمد حروفه نحو فضاءات ومواضيع شتى، فقد كتب عن الذات والآخر و الوطن والمكان والقضية العربية واللغة والرموز التراثية بكثافة آسرة تحترف الوعي بأقاصي الحرقة وانفلات اللحظة مما يجعل العبارة تنثال أرتالا.

الذات / الجراح:

يقول الشاعر في نص " شكوى"

الناس خارطة من النكد

بحرها يحتسي رجس الأصيل

تزعج ليلي بنبس البؤس،

 ورأسي للوساد بجس الأواه،

ثرثرة بجرس النحس

يا سائلي

والجواب في جسدي." 4

     تواجه الذات أدواءها من منافذ شتى، والخصم واحد. ذاك الذي يملك رأسمالا وافرا من الرجس والنكد، هنا تصبح مقولة الشاعر ساتر ذات رصيد يسعف في تبرير الشكوى" الآخر هو الجحيم" وهو ما جعل الشاعر لاحقا يلهج بهذا الصراخ المر:  

لا تقرأ الوجوه

لا تقرأ التاريخ

وانتشلني من ذيول الأسئلة

فكلها تتهادى داخل غياهب البشر

على باب البشر" - 5

سؤال الحزن مزمن في عمق الذات ولعله إكسير القريحة.

الذات و الأحلام:

      لا يختلف اثنان في أن الشعر شغف عميق بالحلم، وهما صنوان، إذ الشعر حلم لا أمد له، ولذلك فالشعر لن يكون غير ذاك الحالم في محراب الحروف واللغة الحرون، ممشقا سعة القلق ومحتفيا بهامش الواقع، الذي يرشق بالرصاص:

مع مطلع فجر جديد

كانت خلف السحاب

بجانب القمر نجمة استحيت أن تراني،

لأن هناك حلم قادم » 6

 لا غرو أن الأحلام تعانق السحاب. والنجوم حلم يعد بالقمر، كما الفجر يستعيد جدوى الأحلام في ردهة الواقع. إن الشاعر ملحاح على هذه الطاقة رغم ثقل الظلام، ورغم الأسف وعربات الدمع اليومية، إنه يواجه بأحلامه تململ الرأس وطنين الأجراس والسراب ونعيق الطرقات.  

ونعانق في المجموعة وجودا وجدانيا رفيعا لبقايا الاشتعال في الذات الذكرى و الذات المرارات.

ألح على الشاعر الآخر لحميميته، إذ الشاعر وجدان مطلق يعم شذاه الآخر رغم أنفه.

- الآخر/ الأم:

لاريب أن تمثل الأم روح المجموعة ومهجتها، فقد أهدي إليها، وعنها كتب نصوصا أخر: كامرأة المساء، أغنية إلى امرأة. وهي عين على عليه، وبحر يحميه، لأنها أقدس الناس، ولأنها بياض البياض، ونبية على عرش الأبرياء. وللشاعر روحها، ولنور الدين ذكرى صلواتها.

كما أن الأب يظل رقعة من ضوء تظلل الديوان، والقارئ المشاء فيه يلمس كيف أضحت مرارة الذكرى إسفينا، وكيف تتردد تفاصيل الحزن وحروف البكاء وهسهسات الرحيل وآيات السقوط.

يقول في نص « نقش على قبر أبي »

كفي أشطان أرواح

تنسج أظفارها الأشباح فهنا أباح الهباء

 باسمك

لفتى الجنون العزاء

في بعدك

ها السقوط بصيص قنديل

خافت ها الأحزان

ها الأحزان تؤسس في الرحيل

شاعرا» 7

والشاعر حين انكسر المركب مركب الحياة به، وسحب منه الأم والأب، ورفرف الحزن عاليا بين أفيائه، وسلمته الأفياء الرطبة للحمراء للحياة للفجر لمهجة تخفق. إنها نصفه الآخر: التي ناولته دمعه، فبكى لها نبرة شدت مسامع الكون.

 ومع الزوجة التي أهدى إليها قصيدة « سين»

يا أميرتي

ناوليني دمعي وأبكي

 لك

نبرة شدت مسامعي

فهلمي نرقص

على ذكرى حبل مخلوق من الابتسامة

فكلانا نبتة تسقى بماء الزهر" 8

أصبح يحكي عن الأمل عن انفراج أتراح الكيان، وفي ما يشبه الانخطاف، الصوفي ناداها:

ما أروعني أن تكوني سمائي " 9

كتب الشاعر عن الأحزان عن الصديق عن الأشقياء « مثل حوري الحسين» الممثل المسرحي الموهوب الذي مات في ظروف غامضة. كما أهدى لباطما ومحسن عبد الإله وإلى مجموعة لمشاهب. وقد ناجى كل هؤلاء بلحن كسير الجناح.

يقول في نص " باب الكلام "

يا صيقي

عرفت وعرفت

وأدركت أن معرفتي

كلبية

أدركت أن القاتل والقتيل

وجع.. دمع.. شمع.. ليع.

أدركت أني العليل.. والنخيل

حين لفت حولها القبائل

صراع.. جياع.. ضياع.. رعاع."10

كما لم ينس بلده الغارق في النزيف والمتروك للمؤامرات والنهب والسلب، إذ تتوزعه أياد وسخة، وضاعت الحقيقة، كلنا ادعينا أبوته فمن منا المخلص، ومن منا الخائض مع الخائضين. يقول في نص: « وطني أشيرة» 

بلادي..يا بلادي

أنى ما رأت عيناك عيناك

نجمتي

عانقت نفسي لقياك

وأني لامست يداك

قمري

تاقت روحي لرؤياك " 11

يصبح الوطن توأما وظلا للشاعر حيث العناق تواصل حميم، واتصال بين حاضن ومحضون: الوطن يحتضن الشاعر. وفي المقام الثاني يحضن الشاعر ألام الوطن وأوجاعه.

ويقول في نص على باب الكلام:

 يا بلادي

أنت السراب

يا بلادي.. كلمتان

 لا أمان ولا مكان

يا بلادي

اسألي الأجثاث

عن بورجوازي المدينة

 كيف سرق أحلامي

ومسح حكايات الخيل والبارود

بخرافة السيارة

وأنثى الرصيف

فلا تقرأ الوجوه

 لا تقرأ التاريخ

 وانتشلني من ذيول الأسئلة" 12

البلاد/ الوطن

     أدركته هذه الثنائية بعبوسها وبتناقضاتها، وتحولت على يديه إلى جمرة أردته في غياهب حرى. لم ينس الشاعر نور الدين بازين القضية الوطنية: قضية فلسطين فقد أهدى على الشعب الفلسطيني ممثلا في أطفال الحجارة نص « عاش الحجر» ففلسطين تغادر الموت كل لحظة، وتعد بالفجر، وصوت الحياة،  منها يعلن ميلاده. هي الموج، وهي الخيل. وهي اشتعال الحب. كما هال الشاعر تلك الهرولة، التي هالت نزار قباني فصرخ عاليا بنص« لا تهادن» على إيقاع لا تصالح لأمل دنقل، وثمة تناص رفيع بين النصين يقول بازين:

يا كليب

قد جاءت الخيل

مخضلة تحمل دمك

واليمامة غصة

على جريد النخل

تندب الوجيب رحيلك

تلعلع بلظى روحك

يا سالم لا تهادن

وسالم: يرد الخمر والكاس والسيف مناسكي"13

 إن نورالدين بازين يعد بالعطاء الفني، ولعمري إن تجربته تحفل بإمكانات فنية رائقة تسعفه لاحقا في ملاحقة الهم الوجودي وأسئلته، مجددا وموضبا لآليات جمالية من حقول معرفية مجاورة، كي يجد الشعر مكانته في عالم السيبرنيطيقا، مادام الشعر لصيقا بتفاعل الإنسان مع محيطه وحركة حياته بكل ممكناتها ومتغيراتها، فالشعر سؤال قلق يحتاج باستمرار إلى التحيين للتجربة. وإعادة التموقع والتموضع من عناصر الكون في أي تجربة تسعى كي تكون جديرة بالقراءة والمتابعة.

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس:

* نص المداخلة التي تم بها الاحتفاء بالشاعر في زاكورة من جمعية نادي الهامش القصصي 25 شتنبر2005

1-            على باب معالي الكلام"للشاعر نور الدين بازين منشورات جماعة الديوان الشعرية. ط 2004  دار وليلي. . مراكش المغرب.

2-             نفسه حرائق جريدة ص:7

3-             نفسه نص: حكاية ص12

4-            نص شكوى ص: 53

5-            نص" على باب الكلام " ص: 42

6-             مجادلة: ص23

7-            نص "نقش على قبر أبي" ص10.

8-            نص سين ص45

9-            نص سين ص 46

10-       نص باب الكلام ص 41

11-       نص وطني أشيرة ص44

12-        - نص على باب الكلام ص42

13-        بنص« لا تهادن» ص: 37

 

ذ- الزياني عبد العاطي زاكورة ezzyani@yahoo.fr.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “القص الشعري وغواية الحكي النثري(1)”

  1. زكورة يا امي التي انجبت ابرع الشعوب لتعلمهم معنى الو فاء و الخلاص فا بين احضا نك نسيت صعاب الحياة يا امي الحنون

  2. السلام عليكم

    صدفة أشكرها , أم قدر كتب علي , لست أدري , المهم أني وجدت نفسي بين أحضان مدونتكم;

    تحياتي دكتور

  3. أشكرك آسية على المرور العطر
    هي لحظة وفقط وهي مدينة لها سحرها ولها الكثير ..
    نرجو أن نتواصل أدبيا على بريدي ezzyani@yahoo.fr
    عبد العاطي الزياني

  4. عبد العاطي الزياني قال:

    السيد ميمون أم العيد

    تحية مودة لك أخي شكطرا على المرور العطر سأطل على مدونتك وسأراك فيها لاحقا مودتي

    ezzyani@yahoo.fr

  5. تحية عطرة من تلميدة كسولة الى اطيب استاد سعدت بتواجدي في مدونتك الجميلة

    والرائعة.اتمنى ان تزورني في مدونتي المتواضعة http://www.maktoobblog.com/girlfati

  6. شكرا على اطلالتك الجميلة في مدونتي .

    i’m loughmari whose write the comment here in your blog i’m very pleasure because i see a beautiful blog and i found my best teacher

    التلميدة الكسولة فاطمة .



اكتب تعليــقك